محمد هادي معرفة
17
التمهيد في علوم القرآن
وعنى بهم أرباب المذاهب الكلامية من الأشاعرة وأصحاب الاعتزال . قال : وهذا الصنف الأخير ، هم الذين يوجد في حقهم التشابه في الشرع ، وهم الذين ذمّهم اللّه تعالى . وأمّا عند العلماء فليس في الشرع تشابه ، لأنّهم يعرفون من كلّ آية وجه تخريجها الصحيح الذي قصده الشرع ، والجمهور لا يشعرون بالشكوك العارضة ، بعد أن كانوا أخذوا بالظواهر واستراحوا إليها من غير ترديد . قال : إنّ التعليم الشرعي هو كالغذاء النافع لأكثر الأبدان ، نافع للأكثر وربّما ضرّ بالأقلّ ، ولهذا جاءت الإشارة بقوله تعالى : وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ « 1 » . وهذا إنّما يعرض في الأقلّ من الآيات لأقلّ الناس ، وهي الآيات التي تضمنت الإعلام عن الأشياء المتغيّبة عن الحسّ ، ليس لها مثال في المحسوس ، فجاء التعبير عنها بالشاهد الذي هو أقرب الموجودات إلى تلك الغائبات ، وأكثرها شبها بها . فربّما عرض لبعض الناس أن يأخذ بالمثال ذاته لتلزمه الحيرة والشكّ . وهذا هو الذي سمي في الشرع متشابها ، الأمر الذي لا يعرض للعلماء ولا للجمهور ، لأنّ هؤلاء هم الأصحاء الذين يلائمهم الغذاء النافع الذي يوافق أبدان الأصحاب . أمّا غير هذين الصنفين فمرضى ، والمرضى هم الأقلّ في الناس ، ولذلك قال تعالى : فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ « 2 » . وهؤلاء هم أهل الجدل والمذاهب الكلاميّة . قال : وقد سلك الشرع في تعاليمه وبرامجه الناجحة مسلكا ، ينتفع به الجمهور ويخضع له العلماء ، ومن ثمّ جاء بتعابير يفهمها كل من الصنفين : الجمهور يأخذون بظاهر المثال ، فيتصوّرون عن الممثّل له ما يشاكل الممثّل به ، ويقتنعون بذلك . والعلماء يعرفون الحقيقة التي جاءت في طيّ المثال .
--> ( 1 ) البقرة : 26 . ( 2 ) آل عمران : 7 .